الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
59
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مُنْتَهُونَ [ المائدة : 91 ] . وجيء بصيغة الماضي في قوله : أَ أَسْلَمْتُمْ دون أن يقول أتسلمون على خلاف مقتضى الظاهر ، للتنبيه على أنّه يرجو تحقق إسلامهم ، حتى يكون كالحاصل في الماضي . اعلم أنّ قوله : أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ كلمة جامعة لمعاني كنه الإسلام وأصوله ألقيت إلى الناس ليتدبّروا مطاويها فيهتدي الضالون ، ويزداد المسلمون يقينا بدينهم ؛ إذ قد علمنا أنّ مجيء قوله : أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ عقب قوله : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] وقوله : فَإِنْ حَاجُّوكَ وتعقيبه بقوله : أَ أَسْلَمْتُمْ أنّ المقصود منه بيان جامع معاني الإسلام حتى تسهل المجادلة ، وتختصر المقاولة ، ويسهل عرض المتشككين أنفسهم على هذه الحقيقة ، ليعلموا ما هم عليه من الديانة . وبيّنت هذه الكلمة أنّ هذا الدين يترجم عن حقيقة اسمه ؛ فإنّ اسمه الإسلام ، وهو مفيد معنى معروفا في لغتهم يرجع إلى الإلقاء والتسليم ، وقد حذف مفعوله ونزّل الفعل منزلة الفعل اللّازم فعلم أنّ المفعول حذف لدلالة معنى الفاعل عليه ، فكأنّه يقول : أسلمتني أي أسلمت نفسي ، فبين هنا هذا المفعول المحذوف من اسم الإسلام لئلا يقع فيه التباس أو تأويل لما لا يطابق المراد ، فعبّر عنه بقوله : ( وجهي ) أي نفسي : لظهور ألّا يحسن محمل الوجه هنا على الجزء المعروف من الجسد ، ولا يفيد حمله عليه ما هو المقصود ، بل المعنى البيّن هو أن يراد بالوجه كامل الذات ، كقوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] . وإسلام النفس للّه معناه إسلامها لأجله وصيرورتها ملكا له ، بحيث يكون جميع أعمال النفس في مرضاة اللّه ، وتحت هذا معان جمّة هي جماع الإسلام : نحصرها في عشرة : المعنى الأول : تمام العبودية للّه تعالى ، وذلك بألّا يعبد غير اللّه ، وهذا إبطال للشرك لأنّ المشرك باللّه غير اللّه لم يسلم نفسه للّه بل أسلم بعضها . المعنى الثاني : إخلاص العمل للّه تعالى فلا يلحظ في عمله غير اللّه تعالى ، فلا يرائي ولا يصانع فيما لا يرضي اللّه ولا يقدّم مرضاة غير اللّه تعالى على مرضاة اللّه . الثالث : إخلاص القول للّه تعالى فلا يقول ما لا يرضى به اللّه ، ولا يصدر عنه قول إلّا فيما أذن اللّه فيه أن يقال ، وفي هذا المعنى تجيء الصراحة ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، على حسب المقدرة والعلم ، والتّصدي للحجة لتأييد مراد اللّه تعالى ، وهي صفة امتاز بها الإسلام ، ويندفع بهذا المعنى النفاق ، والملق ، قال تعالى في ذكر رسوله :